العُلقَةُ الجامعةُ بين السَنَنِ الكونيةِ وفعلِ العبدِ

نحمدك اللهم على نعم يؤذن الحمد بازديادها، ونصلي ونسلم على نبيك محمد هادي الأمة لرشادها، وعلى آله وصحبه ما قامت الطروس والسطور لعيون الألفاظ مقام بياضها وسوادها [1]، وبعد:

فهذا مبحث في باب عظيم وخطير من أبواب العلم، أما عظمته فلتعلقه بسر نظام الكون، وقد روي عن علي رضي الله عنه: ( القدر سر الله في خلقه )، وأما خطورته فلتعلقه بصفتين من الصفات الربانية، وهما صفتا العدل المطلق الذي لا جور فيه وإن دقّ، والمشيئة الإلاهية النافذة.

وأصل المسألة في هذا الباب القول في المشيئة الربانية ومشيئة العبد، هل هما مشيئتان حقيقيتان ؟، أو إحداهما مشيئة حقيقية والأخرى صورية ؟.

 أما القول الأول فهو مذهب أهل السنة وسيأتي بيانه تفصيلا في بحثنا هذا، وأما القول بحقيقة المشيئة الربانية وصورية مشيئة العبد وجعل مشيئة العبد تابعة للمشيئة الربانية مشيئة كونية [2] هو مذهب الجبرية الذي يطعن في عدل ربنا عز وجل ويجعل التشريع وتهيئة أسباب الهداية من العبث الذي لا طائل من وراءه لعدم وجود الاختيار في الفعل والترك واقعا.

وأما القول بصورية المشيئة الربانية وحقيقة مشيئة العبد وجعل العبد فاعلا لما يريد بما يريد متى يريد كيفما يريد هو مذهب القدرية [3]، وهذا المذهب هو أول مذهب ظهر في الأمة [4] زلّ به أصحابه عن سواء السبيل في الصفات فعَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ قَالَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاَءِ فِى الْقَدَرِ فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلاً الْمَسْجِدَ فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلاَمَ إِلَىَّ فَقُلْتُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ – وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ – وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لاَ قَدَرَ وَأَنَّ الأَمْرَ أُنُفٌ. قَالَ فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّى بَرِيءٌ مِنْهُمْ وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّى وَالَّذِى يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ.

أقول: وللالتباس هذا الباب من العلم  على خاصة القوم بله عوامهم، ولكون عامة من ولجه إما نزع إلى الجبر فما قدر الله حق قدره في صفة العدل والرحمة والحلم، أو نزع إلى اللا قدر فما قدر الله حق قدره في صفات نفاذ مشيئته وقهره فوق عباده.

ولما كان العلم في هذا الباب العظيم من المتشابه لعدم وضوحه إلا على من وفقه الله فيه كان الأصل فيه السكوت لقول الله تعالى: { هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ }، والمحكم الذي لا نشك فيه ولا يجوز تأويله اتصافه بكل كمال وبلوغه في كمال غايته، والمتشابه في ذا الباب نفيُ بعض الكمال عن الله تعالى تمسكا بكمال يقابله، وكان الأولى لمن التبس عليه الأمر التفويض لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إذا ذكر القدر فأمسكوا )، والتسليم بقوله: { آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا }،  إيمانا منّا بأن كل من عند الله، وقد اتصف بكل كمال، ويأبى كماله المطلق ألا يكون في خلقه إلا ما يشاء، كما يأبى كماله أن يعذب عبدا أجبره على معصيته.

ولولا خوض بعض أعلام السلف قديما وحديثا في هذا الباب تفسيرا وتفصيلا كعلامة الدنيا في زمانه أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى في كتاب القدر، وما أشار إليه العلامة عطية محمد سالم رحمه الله تعالى في تتمة أضواء البيان في قوله: (  فإن قضية القدر من أخطر القضايا وأغمضها، كما قال علي رضي الله عنه: القدر سرّ الله في خلقه، وقال صلى الله عليه وسلم: “إذا ذُكر القضاء فأمسِكوا”، ولكن على المسلم النظر فيما أنزل الله من وحي وبعث من رسل ) انتهى كلامه، ولولا الحوارُ  الذي جمعني بعلامة الدنيا في هذا الزمان  محمد الحسن الددو حفظه الله في ذا الباب في البحرين قبل سنين، لأحجمت، ولأمسكت علي لساني طلبا للسلامة، ولكن لما رأيت تناسق مسائل القدر في ذهني، وجريها على سنن واحد، وتصديق المعقول فيها للمنقول،  ولما رأيتني أخرج كل نص تعلق بهذا  الباب العظيم تخريجا صحيحا يوافق المحكم الكلي، وهو اتصافه بكل كمال وبلوغه في كمال غايته، بل لما رأيتني أفصل في قولهم: ( لا جبر ولا تفويض ولكن أمر بين أمرين ) تفصيلا قلّ من يفصله، قررت أن أبثه في رسالة بعد عرضه على كل من قدرت عليه من أئمة هذه الأمة في هذا الزمان حتى أَفِيدَ وأُفِيدَ راجيا من الله عز وجل أن يوفقني للخير كله، ولتعلم أخي القارئ أني عرضت هذا الباب [5] على ثلة من المشايخ في بلاد شتى، فمن موافقٍ لما أقرره، ومن رادٍ له عموما، أو رادٍ لبعض تفاصيله، ولست أحدث فيه قولا لم يقل به أحد من قبل، بل هو تخريج للمسألة لا غير، ولست أدعي فيه كمالا، فلكل شيء إذا ما تم نقصان بالبداهة، وهذه سنةٌ من سنن الله تعالى في خلقه، فقد أجرى الله سنته على خلقه بأن لا يتم كتابا إلا كتابه، ولو أشاء أن أربط هذه الجزئية بمبحثنا هذا أقول: تعلق كمال البحث بكمال النظر، وتعلق كمال النظر بكمال الناظر، ولما كان العقل آلية للنظر ووسيلة للناظر، وقد اتصف العقل بالقصور لقصور مداركه في المحسوسات وتعلقه بالماديات في الأوليات، كانت النتيجةُ الحتمية عدمَ كمال النظر، و كان النقصان صفة لازمة لنتاج الفكر البشري.

 وحتى لا أطيل في تي المقدمة، أدخل في صلب الموضوع، وأقول:

قد سنَّ ربُّنا عز وجل سُنَناً كونيةً [6]، أبان فيها سبحانَه عن حكمته وإحكامه [7]، جعلها نظاما لخلقه،  فهي جاريةٌ عليهم، حاكمةٌ لهم في دينهم ودنياهم، ومن عدله سبحانه أن أجرى سنةً على هذه السَنَنِ بأن لا تبديل فيها ولا تغيير فقال: { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }، وقال سبحانه: { سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً }، ليكون الميزانُ الحاكمُ يومَ القيامةِ واحدًا، ويكون الاطراد اللازم للحكمة والإحكام النافي للعبثية الموجب لتماثل الحكم في الأشياء إذا تماثلت موجباتها [8] على نسق واحد، ومن تمّ لا حجة على الله بل له الحجة البالغة، وفي الباب تفصيل سنقرره في غير هذه المقالة.

ومن سننه على نفسه سبحانه ألا يؤاخذنا إلا بمقدور، ولما كان المقدور يُنظَر فيه من جهة لزومه لنا، ومن جهة التزامنا به، كانت المؤاخذةُ فيهما متعلقةً بوصوله إلينا وصول إلزام [9]، كما كانت متعلقةً بالقدرة البدنية والعقلية على معالجة المأمورِ به والمنهيِ عنه بثًا أوبتًا، فقال في الأول: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً  }، فجعل سبحانه وصول الحجة وصول إلزام شرط صحة في الجزاء يوم القيامة، وبالبداهة الوصول المجرد من غير إلزام وجوده كعدمه [10]، فإن تخلف الالزام كان المكلف من أهل الفترة [11].

وقبل هذا لا بد أنْ نشير إلى أنّ الله سبحانه هيَّأَ لنا أسبابَ الهدايةِ كلِّها بأن جعلنا بالأس على فطرة التوحيد لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( كل مولود يولد على الفطرة )، وقول الله تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ }، وقوله سبحانه: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ }، وقوله  سبحانه: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ }، وقوله سبحانه: { وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ }، وقوله سبحانه: {  وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ } [12].

ومن رحمته أن ألزمنا بهذا الذي بثه فينا بالفطرة على وجوب توحيده فيما يستحق من التأله، فقال سبحانه: { قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى قَالُواْ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ }.

بل جعل سبحانه في مواضع من كتابه العزيز توحيدَ العبادة من الفطرة التي فطر الناس عليها، فقال سبحانه  :{ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ }.

ولعلني أشير في هذه النقطة إلى مسألةٍ أفادنيها شيخي العلامة محمد سالم ولد محمد عالي ولد عبد الودود رحمه الله تعالى – رفعا لذكره وشكرا لفضله عليّ وعلى غيري من طلبة العلم – قال الشيخ في قوله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }، إنّ فعل الخير سهلٌ ميسرٌ  وهو غير متكلف فيه لهذا كانت مادة فعله ( فعل ) التي تأتي دالة على معالجة فعل بلا تكلف، خلافا  للشرّ فهو متكلف فيه، نخترق به حدا حتى نواقعه، لهذا عبر عليه بـ ( افتعل ) التي تأتي دالة على التكلف.

وتتمة لكلام الشيخ أقول: لعل حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلاَ تُضَيِّعُوهَا وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ، فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا وَحَدَّ حُدُودًا، فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ، فَلاَ تَبْحَثُوا عَنْهَا ) يصدق مذهبه الذي أفدناه منه.

 ولعل ما سأفصله لاحقا في مسألة إصرار العاصي على معصيته حتى يصير من المخذولين هو من باب التكلف الذي أشار إليه رحمه الله تعالى.

ثم كانت رحمته أن خلقنا على هيئة لا يصلحنا غيرها، ففي الحديث القدسي: (  وَإِنَّ مِنَ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصْلِحُ إِيمَانَهُ إِلا الْغِنَى، وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا الْفَقْرُ، وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا الصِّحَةُ، وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ لا يُصلِحُ إِيمَانَهُ إِلا السَّقَمُ، وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لأَفْسَدَهُ ذَلِكَ، إِنِّي أُدَبِّرُ أَمَرَ عِبَادِي بِعِلْمِي بِقُلُوبِهِمْ، إِنِّي عَلِيمٌ خَبِيرٌ ).

 ثم كانت رحمته أن أرسل إلينا رسلا من عنده مبشرين ومنذرين يدعون إلى الله في حلهم وترحالهم، بمقالهم وحالهم، فقال سبحانه: { وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }.

وكان من رحمته سبحانه أن أخلف أولئك الرسل بعلماء يقررون الحق ويدفعون الباطل ففي الحديث: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين )، وفي الحديث: ( العلماء ورثة الأنبياء )، وفي آخر: ( العلماء في أمتي كالأنبياء في بني إسرائيل ). وفي حديث آخر: (إن الله يبعث على رأس كل مائة عام من يصلح لهذه الأمة أمر دينه ).

أقول: هذا في باب وصول الوحي للمكلف  وصول إلزام [13].

أما كونه لا  يكلفنا إلا بمقدور فقد ورد فيه قوله تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا }، وقال: {  لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا }، لذلك فرّق ربنا في التشريع بين الأمم لاختلافهم في قدراتهم البدنية على سبيل العموم وتناقص القدرة البدنية للمكلفين مع مرور الزمن لذا كانت أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقل الأمم تكليفا، وكان جزاء إجابتهم يتضاعف حكما ليناسب فعل الأمم السالفة فعلا، وفرّق في التشريع الواحد في الأمة الواحدة بين الصحيح والعليل، كما فرّق في التشريع بين الرجل والمرأة لاختلاف القدرة البدنية لكل منهما.

ومن سننه التي سنها على نفسه سبحانه معاملتنا بتوفيقه ابتداءً رحمة منه، فإن أصرّ العبد على المعصية خذله وأوكله إلى نفسه، ويدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب عنده: غلبت، أو قال: سبقت رحمتي غضبي، قال: فهي عنده فوق العرش )، وهذا باب عظيم من تدبره علم رحمة الله في خلقه وحلمه بهم، وقد أشارت ثلة من الآيات  إلى هذا المعنى تلميحا فقال سبحانه في كتابه الكريم: { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }، وقال أيضا: { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا }، وقال أيضا: { وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } فنسب سبحانه رحمة منه الهداية لنفسه لإرادته الخير وصرفه الشر ابتداءً، ونسب الضلال لمعالجه لإصراره عليه حتى أوكله الله إلى نفسه.

 وفي هذا الباب سنفصل مسألة قد تلتبس على طلاب العلم لنبين الفرق بين هاته الآيات وقولِ الله تعالى: { أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً }، وقول الله تعالى: {  وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }، وقول الله تعالى: {  اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }، وقول الله تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }، وقول الله تعالى: { يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }، وقول الله تعالى: { وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } التي نسب فيها سبحانه الضلال إلى نفسه

أقول وبالله التوفيق: أصل المبحث في هذه الحاشية هي المشيئة الربانية المتعلقة بفعل العبد والتي نعتقد فيها أن الله تعالى أمر تخييرا ونهى تحذيرا، وكلف يسيرا، فكان التكليف بمقدور، وكانت مشيئة  الرب في فعل العبد مشيئة شرعية على اصطلاح المتشرعة، أي الترغيب في الخير، والحض عليه، والترهيب من الشر، والتنفير منه، وقد قلت في هذا الباب:

ولا تقولوا في القضاء والقدر * قد وكل ولا تقولوا قد جبر

قد أمــر بأمــره تخييـــــــــــــرا * وقد نهــــى بنهيـــه تحذيــــرا

قد كلف بأمـــر يسيـــــــــــرا * فلم يكـن تكليفــه عسيـــــرا

وكان ضابط مشيئته أنه سبحانه يتعامل برحمته قبل غضبه لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( رحمتي تسبق غضبي )، ومن رحمته سبحانه أنه يشاءُ الخيرَ ابتداءً إن همّ به العبد، وكان فيه صلاح لدينه، أو دنياه، أو هما معا، ولا يشاءُ الشرَّ ابتداءً إن همّ به العبد، وكان فيه فساد لدينه، أو دنياه، أو هما معا، فإن شاء العبد الشرَّ وهمَّ به، ثم صرفه ربه عنه ابتداءً فأبى إلا مواقعته، أوكله الله إلى نفسه، وسلط عليه الأسباب [14]، لهذا يقرر أهل العلم قولة: ( من أوكل إلى الأسباب هلك )، وقد كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يتعوذ منه فيقول: ( ربنا لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين )، والإيكالُ إلى النفس من غضبِ الله تعالى، وهو من الخذلان، أما رعاية العبد بمشيئة الخير له ابتداء وصرف المعصية عنه ابتداء من توفيق الله تعالى ورحمته، وهذا معنى قوله صلى الله عليه وعلى آله: ( رحمتي تسبق غضبي ).

قد يستشكل البعض مسألة إرادة الخير من العبد واقعا ولا يوفق له، ولإجابة هذا الاستشكال نورد الحديث القدسي: ( وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي الْمُؤْمِنِينَ لَمَنْ يَسْأَلُنِي الْبَابَ مِنَ الْعِبَادَةِ، فَأَكُفُّهُ عَلَّهُ أَلا يَدْخُلَهُ عُجْبٌ، فَيُفْسِدَهُ ذَلِكَ ).

وعلى ما تقدم إن شئنا أن نفسر الآيات الأولى نقول: إن المراد من قوله تعالى: { ومن يضلل } أي يريدُ ويشاءُ المكلف الضلال ويصر عليه لهذا نسب إليه { فلن تجد له وليا مرشدا }وقد دفع الله عنه الشر وصرفه عنه ابتداءً فكيف تجد لم يتخذ الله وليا ومرشدا، وإن شئنا أن نفسر الآيات الأخرى فنقول: إن المراد من قوله تعالى: { ومن يضلل الله } أي يوكله إلى نفسه بعدما أصر على المعصية، ولكون الإيكال يكون بمشيئة الله نُسِبَ الإضلال إلى الله تعالى، و نسبته إليه لا تعني بحال أن الله أجبره على المعصية كما ذهب إليه بعض المتشرعة بل نسبته إليه نسبة مشيئة الفعل الذي أراده العبد وأصرّ عليه.

 ولنتمم البيان أقول: سابق ولاحق الآيات تبين أن الخيار في تعاطي الخير والشر قائم في الآيات التي نسب فيها الإضلال لله تعالى، ففي قول الله تعالى: { وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ } يستبين من اللاحق أن الضال كان على  الخيار في معالجة الشر أو الخير بقولهم: {هل إلى مرد من سبيل }، لأنه بالبداهة لو كان فعلهم على غير اختيار لما تمنوا الرجوع بالأسّ.

وقد يكون مرادُ ربنا عز وجل الترهيبَ من إيكالهم إلى أنفسهم إن اتخذوا أسباب ذلك من الإصرار على المعصية فيضلهم بمشيئة المعصية لهم بعد أن صرفها عنهم، ويضلوا بإرادتهم المعصية، وإصرارهم عليها، كما في قوله تعالى: {  اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }، وقول الله تعالى: { أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }.

ومن السننِ أيضا سننٌ سنها الله عز وجل لخلقه لتكون نظاما لحياتهم لتنظيم معاشهم وتحضير معادهم، وأهم هذه السنن ربط الأسباب بالمسببات، وقد جعل سبحانه الأسباب مختلفة، فمنها أسباب فعلية شرعية لها علاقة بالنجاة يوم القيامة وانتظام الحياة في الدنيا  فقال سبحانه: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }، وقال أيضا: { وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى }.

وقد تكون الأسباب الفعلية الشرعية خالصة بلا سبب فعلي دنيوي كقصة مريم  في قول الله تعالى: {  فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } وقد نستدل لها بقصة خبيب رضي الله عنه كما في الصحيح: ( مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ مِنْ قِطْفِ عِنَبٍ فِي يَدِهِ وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ فِي الْحَدِيدِ وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرٍ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ مِنَ اللهِ رَزَقَهُ خُبَيْبًا )، وهذه من الكرامات التي نؤمن بها نظريا وعمليا خلافا لمن يقرها نظريا ولا يستسيغها عمليا، أو لا يقرها لا نظريا ولا عمليا.

وقد تكون مع اتخاذ سبب دنيوي كما في قصة مريم في قوله عز وجل: { فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا }.

و للإذعان للأسباب الشرعية  أثر بالغ في حياة المريء فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( لاَ يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلاَّ الْبِرُّ، وَلاَ يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ لِلْخَطِيئَةِ يَعْمَلُهَا )، بل أقول كل بلية ورزية ومصيبة يقع فيها المكلف من التقصير في الأمر الشرعي، قال الله تعالى: { وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ }.

قد يستنكر البعضُ مسألةَ رزقِ الكافرِ الجاحدِ لأمر الله تعالى ونهيه بل الجاحدِ لربوبيته بالأسّ كالشيوعيين على الخصوص والملاحدة على العموم، ويجعل ذلك طعنا في الحديث لظنيته من جهة، ولقطعية رزق الكافر واقعا، بل قطعيةِ سعةِ رزقِ الكافرِ من جهة أخرى، ونجيب على ذلك بقولنا: إن النصوص التي ذكرت  المسببات وعلقتها بالأسباب التي جعلها الله كنظام للحياة قد تناثرت في كتابه الكريم وسنة نبيه عليه وعلى آله الصلاة والسلام ولا تكاد تحصى عددا، وقد صرح ببعضها وأشار إلى البعض منها، ولم يبن عن الأخرى، ولإدراك كنه هذه المسألة لا بد من جمع النصوص في الباب، ولعل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ )، قَالَ: ثُمَّ قَرَأَ عليه الصلاة والسلام:{وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهْيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} نصٌ في الباب.

 فمن اتخذ الغواية منهجا، وردّ الشريعة سبيلا، فقد اتخذ سببا يكون مسببه هو الإملاء له حتى إذا أخذه لم يفلته، أي لا مجال لرجوعه إلى الحق، ولا مجال لتوبته، بل ولا يقبل منه إن فعل، وهذا  أشدّ ما يؤاخذ الله به عبده وهو منتهى غضبه الذي يعالج به خلقه، كأخذه فرعون وعدم قبول توبته منه بعد أن توافرت فيه أسباب الأخذ فقال عز وجل: { وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }

ومن الأسباب التي وجب الأخذ بها لنصلح معاشنا ونفلح في معادنا تغييرُ النفسِ والعملُ على مجاهدتها، قال الله تعالى: {  إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ }، فقد ربط سبحانه تغيير الحال بتغيير النفس، ولن يتأتى تغير منشود ببقاء النفس على ما هي عليه، فمن أراد المعالي ليسمو من درجة الإسلام إلى كمال الإيمان إلى درجة الإحسان فعليه أن يطلب ذلك ببذل جهده وإفراغ وسعه في الله تعالى بالله تعالى لله تعالى، ومن أراد أن يتغير له ما ابتلاه الله به من النقم فليحاسب نفسه وليغير من حاله فقد ورد عن السلف: ( إن البلاء ينزل بالمعصية ويرفع بالطاعة ).

قد يستشكل البعض التقرير الذي قررناه مع حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( أشدّ الناس بلاء الأنبياء ثم الأول فالأول )، وحديث عبد الله قال: ( دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهْوَ يُوعَكُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلاَنِ مِنْكُمْ ).

ولرد الاستشكال  لا بد أن نقدم حديث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوّابون )، وكل من ألفاظ العموم تبقى على عمومها ما لم تخصص،  وحديث: ( لو لا تذنبون لأذهبكم الله وجاء بقوم آخرين يذنبون فيتوبون فيتوب الله عليهم ).

فالخطأ قد جعله الله سنة في المكلفين من الإنس والجن جميعا، وهذا ليس منقصة في الأنبياء ( الأمر عندهم متعلق باللمم على قول، وقيل باجتهاد مرجوح، لا الكبائر قطعا ) كما يتصوره البعض، لأننا نعتقد في الأنبياء أنهم يتعبدون الله بالأمر الشرعي وليس بالأمر الكوني كالملائكة مثلا، ولتفصيل المسألة أقول: إن الله خلق الخلق على ثلاثة مراتب:

–     خلق كلفهم الله بتكاليف ولم يبتلهم بشهوات كالملائكة، فكانوا مكلفين بالأمر الكوني، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }.

–     خلق لم يكلفهم الله بتكاليف ولكن ابتلاهم بشهوات كالحيوانات، فكانوا شهوانيين بالأمر الكوني، لهذا كان حسباهم يوم القيامة بأن يقتص من المتعدي على المتعدي عليه منهم ثم يقال لهم: كونوا ترابا، فقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:   ( لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ )، وفي رواية أحمد: ( إن الجماء لتقص من القرناء يوم القيامة )، وقال أيضا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( يقتص الخلق بعضهم من بعض حتى الجماء من القرناء وحتى الذرة من الذرة )، وقد أورد السيوطي عن ابن المنذر عن مجاهد قال: تقاد المنقورة من الناقرة والمركوضة من الراكضة، والجلحاء من ذات القرون، والناس ينظرون، ثم يقول: كوني ترابا لا جنة ولا نار، فذلك حين يقول الكافر: {يا ليتني كنت ترابا}.

–     خلق كلفهم الله بتكاليف وابتلاهم بشهوات، وهم الإنس والجن، ولما كان تكليفه لهم يقابله الابتلاء بالشهوة كان بالبداهة التكليف بالأمر الشرعي أي الأمر بالتخيير والنهي بالتحذير والتكليف بالمستطاع، وكان الميزان يوم القيامة يتأرجح بين إجابة الأمر والنهي أو إجابة شهوة النفس وهواها.

لهذا قال العلامة أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى ( فيما معناه )، إذا غلّب المكلَفُ التكاليف على الشهوات يسمو إلى درجة الملائكة وقد يفوقهم مرتبة عند الله تعالى، ذلك لأنه مكلف بالأمر الشرعي وقد أراد الطاعة اختيار وهم مكلفون بالأمر الكوني ولا خيار لهم في الطاعة، ومن غلَبت شهوته على تكاليفه فهذا يسفل إلى درجة الحيوانات وقد يكون أدنى منهم درجة، لأنه اختار الشهوة اختيارا، ولا مجال لهم في اختيار شهوتهم، وقد حمل هذا التفصيل على قول الله تعالى: { وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ }.

أقول والله المستعان: إن كان الأنبياء قد عصمهم من الزلل ببيان حال الزلل حال وقوعه عصمة للشريعة ( ولا يكون خطؤهم إلا من اللمم، وإلا لما استحقوا مرتبة النبوة، وقد يكون خطؤهم اجتهادا مرجوحا كقصة عبس وقصة لم تحرم ما أحل الله لك كما قدمت )، وكانت طاعتهم لله عن اختيار، وانصرافهم عن المعصية اختيارا أيضا، فهم في ذا الباب أحسن من الملائكة، وأقرب إلى الله منهم، لهذا كان محمدٌ صلى الله عليه وعلى آله وسلم سيدَ الخلق أجمعين، فهو متعبد لربه بالأمر الشرعي، وقد اختار الطاعة اختيارا، وقد مازه الله عن غيره لأنه كان  يتعبد ربه قبل بعثته عليه الصلاة والسلام ولم يكن قارئا، قال ربنا فيه: {وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَّرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ } [15]، وقد كان عليه الصلاة والسلام يتحنث في غار حراء الأيام ذوات العدد قبل أن يأفل إلى أهله بلا موجب شرعي يوجب عليه ذلك.

  ولا أدل على ما قررناه من لاحق الحديث السابق ( الوعك ) حيث يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( قُلْتُ ذَلِكَ أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ قَالَ أَجَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا سَيِّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ).

هذا والله المستعان، أسأل من الله أن ينفع به الخاص والعام، وأسأل من كل من رأى زللا قد عالجناه تأصيلا أو تفريعا أن ينبهنا عليه.

كتبه محمد بن فضيل بن علي بن محمد الموساوي ( أبو مسلم الجزائري ) في 17/03/1434 الموافق 29/01/2013

 


[1] هذه مقدمة مقتبسة من كتاب جمع الجوامع لتاج الدين السبكي.

[2] بعض الأئمة الأعلام يرون متابعة مشيئة العبد للرب عز وجل بالمشيئة الشرعية ثم لم يفهموا معنى ذلك بتفصيل ولم يسقطوه الاسقاط الحسن فنزعوا إلى الجبر لزوما

[3] أستشكل هذه التسمية التي لازمت نفاة القدر منذ أمد بعيد، وكان الأولى أن يلقبوا بـ ( اللاقدرية )، إلا إذا اعتبرنا أنهم أول من تكلم في القدر  فنسبوا إليه لذلك، كما استشكل إطلاق حديث: (  الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ إِنْ مَرِضُوا فَلاَ تَعُودُوهُمْ وَإِنْ مَاتُوا فَلاَ تَشْهَدُوهُمْ ) لعدم اطراد الشبه على كل من تكلم في القدر من القدرية، ذلك أن المجوس يثبتون إلاهين اثنين إله الخير وإله الشر ، أما عموم القدرية فيسندون الفعل خيرا كان أو شرا إلى العبد، وقد تتفق هذه الصفة وتسقط إسقاطا صحيحا على من نسب الخير لله إرادة كونية، ونسب الشر للعبد إرادة ومعالجة، فقالوا بفاعلين اثنين واقعا، كما سيأتي بيانه في محله في هذه المقالة.

[4] يربط بعض أهل العلم ظهور الكلام في الصفات بالجعد بن درهم وجهم بن صفوان، والحق أن الكلام في الصفات كان قبل ذلك بكثير، وحديث عبد الله بن عمر في القدرية خير دليل على ذلك.

[5] كان العرض بسؤالهم تأدبا معهم، حتى أقوّم نفسي بهم، فهو الغرض أولا وأخيرا.

[6]  مما لا شك فيه أن أم الكتاب الذي أشار إليه بقوله تعالى: { يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب } قد بث فيه منتهى علمه مما سيكون، والظاهر أن الله قد بث فيه ايضا سننه الكونية لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب عنده: غلبت، أو قال: سبقت رحمتي غضبي، قال: فهي عنده فوق العرش )، وهذا الانتظام الذي أبانه نبينا عليه الصلاة والسلام عن ربه هو من السنن الكونية التي سنها ربنا على نفسه، سبحانه ما أحلمه.

[7] أما حكمته فتنفي العبثية ولازمها الاطراد، وأما الإحكام فبمعنى الاتقان.

[8] من كمال عدل الله تعالى جعله الأشياء تسير على نسق واحد فمن أخذ بسبب كان مسببه لازما لذلك السبب، لهذا قال الله تعالى: { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ }، أما تعليق المشيئة لمن أساء وستره الله في الدنيا لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (أَتُبَايِعُونِي عَلَى أَنْ لاَ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلاَ تَزْنُوا، وَلاَ تَسْرِقُوا وَقَرَأَ أيَةَ النِّسَاءِ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهْوَ إِلَى اللهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ) فسنفصله بإذن الله في أصل الرسالة.

[9] لا مجرد الوصول كما ذهب إليه بعض الفضلاء رحمهم الله تعالى.

[10] ولو كان البعث المراد هو مجرد وصول الحجة من غير إلزام كان حرص الأنبياء على هداية الناس اعتباطيا، ولكان تأييدهم بالمعجزات اعتباطيا، بل لكانت تهيئة أسباب الهداية مسألة عبثية.

[11] وأما الفترة فيبينها ما أسند للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ( أحكام الشريعة للإشبيلي ): يعرض على الله تبارك وتعالى: الأصم الذي لا يسمع شيئاً، والأحمق، والهرم، ورجل مات في الفترة، فيقول: الأصم: رب جاء الإسلام وما أسمع شيئاً. ويقول الأحمق: رب جاء وما أعقل شيئاً. ويقول الذي مات في الفترة: رب ما أتاني ذلك من رسول – قال أبو بكر: وذهب عني ما قال الرابع – قال: فيأخذ مواثيقهم ليطيعونه، فيرسل إليهم تبارك وتعالى: ادخلوا النار. فو الذي نفس محمد بيده، لو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً.)

[12] كل آية وردت في كتاب الله تبين عظمة ربوبية الرب ثم تلحق باستفهام إنكاري يراد منها الإقرار بالربوبية على الألوهية، وهو من باب العلم النظري التي تكون مقدماته فطرية وضرورية.

[13] مما تقدم أقول: لو كانت مقولة ( لا كفر إلا بعد إيمان ) يراد بها أن الكفر لا يقع إلا بعد وصول الإيمان للمكلف وصول إلزام ثم يرد ذلك الإيمان فيكون بذلك جاحدا رادا للحق مستحقا لحكم الكفر بلوازمه من استوجاب الحياة الضنكى في الدنيا والعذاب يوم القيامة، قال الله تعالى: {  وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126) وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى }.

[14] كنت أعتقد أن الإيكال إلى النفس هو الاحتكام إلى الأسباب دون الرعاية الربانية التي تسمى التوفيق، وكنت أستدل بحديث ( فمن طلبها أوكل لها، ومن لم يطلبها أعين عليها )، وكان الشيخ محمد الحسن الددو حفظه الله يقول: إن الإيكال هو تسليط الأسباب على المخذول، وسبحان الله بعد طول نظر رجعت إلى كلام الشيخ.

[15] فكان متعبدا بالفطرة، إذ لو كان قارئا لقيل: إنه يقرأ صحف الأولين.

Comments are closed.