نُقلت هذه الصفحة من موقع الشيخ القديم (aledar.com) من أرشيف الإنترنت.
بسم الله الرحمن الرحيم
عقيدة السلف الصالح على ضوء الكتاب والسنة التي يوافق فيها صحيح المعقول صريح المنقول
لأبي مسلم محمد بن فضيل بن علي بن محمد الموساوي الحسني الجزائري
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى، ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما مزيدا، وبعد:
هذه جملة من العقائد أذكرها مفصلة لأرفع بها لبسا قد استحكم، وأحقق بها باب الإعذار الذي نعتبره أسا من أسس الدين المغيبة عمليا في زمننا هذا [2] وإن خالف هذا الواقع العملي التنظير العلمي [3].
لهذا سأدعو له في رسالتي هذه كما دعوت له من قبل في رسائل أخرى لغاية جمع الأمة على كلمة سواء [4].
وهذا البحث ثمرة طول نظر في المنقول والمعقول، نتوجه به إلى خواص طلاب العلم الذين برعوا في علوم اللسان، والجنان، وزاوجوا بين المنقول والمعقول، لنضع بين أيديهم خلاصة ما أفدته من مشائخي [5] تلقينا، أو تقويما [6]، وما أفدته من النظر، والترجيح، والتخريج، والمباحثة، لعلي أملأ فراغا قد اتسع، وأغلق بابا قد شرع، فأظهر خفيا، وأفصل مجملا، وأقيد مطلقا، وأبين مبهما.
ولست أدعي كمالا فيه، فلكل شيء إذا ما تم نقصان بداهة، لهذا أدعوك يا من تجرد للحق وتوافرت فيه شروط العلم أن تقومني بعلم وحلم لنصل إلى الكمال البشري في هذا الباب من أبواب العلم .
ولكون علم العقائد قد بانت معالمه ومفاصله في زمن النبوة، ولم يكن لمن جاء بعد تلك الفترة الزمنية المباركة إلا تخريج النصوص، وبيان إحكام الشارع لكل شيء قولا، وخلقا، فيوافق بين منقول ومنقول، أو منقول ومعقول [7]، وذلك لأن سمة الاطراد في كل شيء لازمة للإحكام المطلق [8]، فلا عبثية البتة في خلقه أو أمره فهو سبحانه الحكيم والحاكم والمحكم، وقد زاوج في كماله بين حكمة وعلم، وحكمة وخبرة فكان له منتهى الكمال، قال شيخنا العلامة محمد سالم ولد عبد الودود رحمه الله تعالى:
أنشأ خلقه اختيارا بقدر * لحكم لا عبثا كما ذكر
، وقد يكون دور العلماء صياغة الكلام بما يتأتى فهمه لكل زمن من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة [9]، وهذا شأنهم قديما، وحديثا.
ولكون المكلف مع من أحب يوم القيامة، أردت أن أتشبه بهم ولست منهم علني ألحق بهم يوم لا ينفع مال ولا بنون ، فقررت أن أصوغ هذا العلم بطريقة رياضية حديثة اعتمد فيها على السبر والتقسيم العقلي، وبيان الاستقراء في كل مسألة، وقد أجدول المعلومات تقريبا لها، وذلك كله بعد تفصيل يرفع اللبس الذي التزمت به في رسالتنا هذه وغيرها من الرسائل.
وسأسمي المسائل بمسماها الذي عليه الأمر في نفسه، وأنسبها للعلم الذي أُخِذَتْ منه ردا لاعتبار تيك الفنون التي همزت، ولمزت، كي تطمس، فيتخبط الطالب في العمى باسم العلم متلقفا للعلوم غير فاهم لها [10].
وليست معالجتنا للمعقول وتفصيلنا للمنقول هو رد للنص كما يصوره بعض من تلبس بالعلم، بل هو إحياء لعلم الدلالة الذي ندعو له بشدة [11] كونه هو المراد بالأس من خطاب الشارع.
كما أنني سألتزم باللا مذهبية عقدية في الحكم [12]، بل نظر، واستدلال، ثم اعتقاد بعد عرض ما أفدته في كل مسألة على من سلف رضوان الله [13] عليهم إحياء لمنهجهم بالبحث المجرد عن الهوى، لأن إحداث قول ليس له أصل، ولا هو تخريج، أو توضيح للذي ندين الله به بدعةٌ شرعاً وعقلا في الفروع، والأصول على حد سواء [14]، أما النقل فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )، وأما العقل فلإحالة العادة الكونية عموما [15] أن ترفع حجة الله في زمن من الأزمنة، أو مكان من الأمكنة، وتخص الإحالة ما تعلق بالأصول [16]، ووجوب أصل التسليم لرب العالمين الذي دلت عليه الفطرة التي فطرهم عليها، كما دل عليه إبداعه لخلقه ، فإن غابت على غير أصل وجبت الفترة التي سيأتي الكلام عليها في محلها .
فمن تتبع فطرته دلته على ربه ما لم تحوّر تيك الفطرة بعارض خارجي، وقد دلّ على هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) [17].
كما ألزمنا سبحانه بإبداعه لخلقه على وجوب عبادته هو دون ما سواه ، وهذا النوع من التسليم هو الإسلام العام الذي دعت إليه الأنبياء قاطبة على زيادة تفصيل في الأصول، وتخصيص في الفروع بحسب القدرات الذهنية والبدنية في معالجة المسائل العقدية والفقهية لكل أمة من الأمم، فاتفقت الأصول بداهة واختلفت الفروع لاختلاف المكلف آحادا وجماعات [18].
والعلة في الاختلاف التشريعي لكل أمة هو اختلاف طاقاتهم التي بثها الله فيهم، وقد أطلق بعض الحكماء: ( ليس من العدل أن تساوي بين المفترقات )، ولم يفرق ربنا عز وجل في التشريع بين الأمم بحسب الافتراق الزماني والمكاني فقط، بل كان التفريق في الأمة الواحدة بحسب قدرات أفرادها أيضا [19]، فلم يكلف المرأة في باب التعبد بتكليف الرجل وخص كلا منهما بما يوافقه بحسب قدرته البدنية، ولم يكلف العليل بما كلف به الصحيح للعلة ذاتها، ولم يكلف العامة بتفاصيل العقيدة وقد أوجبها على الخاصة إذا ظهرت الشبه لاختلاف القدرة الذهنية لكل منهما، ولكن أصل العقيدة وجبت على كل مكلف، وذلك ليسرها وتعلقها بالعلم الحضوري والضروري ولا حاجة فيها للنظر [20] إلا نظرا كانت مقدماته ضرورية لا يكاد يخفى على أحد ، ومن أصول العقائد ما هو لازم للفطرة ، وقد دلّ عليها النقل بما هو قطعي في ثبوته قطعي في دلالته كالإيمان بالأصول الخمسة بعد الإيمان بالله تعالى ( الملائكة ، الكتب ، الرسل ، اليوم الآخر ، القدر خيره وشره ) ، فالإيمان بالله تعالى دل عليه العقل والنقل والفطرة ، والإيمان بغيره من الأصول دل عليها النقل وجوّزها العقل .
وقد أجملت بحثا خاصا في قولة: ( ما لم يكن دينا لن يكون اليوم دينا، وما كان دينا لن يعدم اليوم أن يكون دينا ) بيانا لبحث البدعة وتفصيلا له ، وهذا الإطلاق يصدق في باب العقائد على المجملات ( ما لا يتم إسلام المريء إلا به ) لجواز الخوض في تفاصيل لم تخطر على بال السلف مطلقا دعت لها الضرورة ردا للشبهة كالخوض في العوالم مثلا، والخوض في مسألة هل الله فاعل بالقوة والفعل، أو فاعل بالفعل فقط، وبناء مسألة حوادث لا أول لها عليها، وفي باب الفقه يكون في الأحكام ( لا الفتوى لاختلافها باختلاف المستفتي ) لعدم تناهي المسائل لنصوص متناهية بداهة، فنقيس ما لم يرد على ما ورد إن اتفقت العلة [21]، وقد فصلت القول في أنواع الحجج التي تلزم العامة، والحجج التي تلزم الخاصة، والحجج التي قد تغيب، والحجج التي لا ينبغي لها أن تغيب، والمناسبة بين قدرة المكلف وقوة التكليف.
وقد بينت من خلال هذا البحث أن منهج السلف في التلقي والحكم هو منهج الفقهاء ( الدلالة ) التي شُهِّر به في زمن علا فيه الجهل، وسفل فيه العلم، وانتشرت فيه العاطفة، وإن تحلت بحلة العلم، وانكمش فيه العلم المصفى، أو كاد.
ولتعلم أخي القارئ أن الخوض في هذا الباب لمن لم تتوفر فيه شروطه فتنة على صاحبه، كما أن اشغال العامة به فتنة للعامة، والخاصة أيضا، وقد وجدنا أنفسنا مضطرين لخوض غماره بالمعقول والمنقول حتى نرفع كل لبس ونضع الأشياء في نصابها الذي ينبغي لها، ونفرق بين ما ينبغي للعامة معالجته، وما نقصره على العلماء فقط [22].
ومنه قد كان لزاما عليّ أن أقدم بمقدمة أبين بها مسألة مهمة اختصرها القرافي في الذخيرة حين قال: ( يجتهد المقلد في الرجال كما يجتهد المجتهد في النصوص )، فليس لمن لم يشتغل بالعلم، أو اشتغل به، ولم يكن أهلا له إلا التقليد فيما من وراءه عمل [23]، وليس لنا معه في باب الاعتقاد إلا مخاطبة فطرته لإحيائها على ما جبلها الله عليه، وإلزامه بالربوبية على الألوهية تقريرا [24] وتذكيرا [25] ( أي إلزامه باستحقاق العبادة لله دون ما سواه بالنظر في آيات الله الكونية ) كما هو منهاج القرآن والسنة في باب الدعوة إلى التوحيد .
فقد قال الله تعالى في كتابه الكريم: { الحمد لله رب العالمين } والشاهد في هذه الآية الكريمة أن الحمد مستحق لله تعالى لكونه رب العالمين، أي لكونه اتصف بصفة الربوبية المطلقة كان الحمد مستحقا له سبحانه لا لغيره ، ولأن الحمد عبادة تأرجح مدلول الآية في نفسها بين خصوص يراد به العموم ، أو خصوص يراد به الخصوص جاء قوله تعالى : { إياك نعبد } وقوله تعالى أيضا: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون، الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنت تعلمون } لبيان أن الكلي الشرعي في باب العقائد أن التسليم بالربوبية يوجب إفراده في العبادة دون ما سواه .
والشاهد أن العبادة تكون مستحقة لمن ربَّنا فخلقنا وملكنا ودبّر أمرنا فجعل الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لنا.
ومنهج القرآن في مخاطبته للعقول ( الإلزام العقلي ) أن يستدل بالضروري أو العلم الحضوري أوما كانت مقدماته متأتية من العلم النظري على ما يجب اعتقاده وفعله للعامة فرضا للحجة عليهم جميعا، ذلك لأن اعتقاد وحدانية الرب من العلم الفطري الذي فطر الله الناس عليه قبل أن يخلقهم، قال الله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم، قالوا: بلى، شهدنا أن تقولوا يوم القيامة: إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا: إنما أشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم. أفتهلكنا بما فعل المبطلون}.
ومن كمال عدل الرب وكمال رحمته بنا ألا يلزم الخلق بالنظري من العلوم التي لم تكن مقدماته متأتية لكل الناس في المسائل المفصلية لصحة تخلف دقة النظر أو صلاحية آليته أو جمع المادة المنظورة [26]، وقد كان من رحمته سبحانه فيما كلفنا به في المنظور من العلوم أن أمرنا بطلب الحق لا إصابة عين الحق [27] لتعذره غالبا، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ).
وليفهم تفصيلنا هذا على ما هو عليه دون تحوريه إلى ما لا يريده منطوقه أو مفهومه، وذلك لأن ( القصد بالوضع لقصد واضعه ) بداهة خلافا لبعض المتأخرين والمعاصرين الذي أشغلوا أنفسهم بتحوير الكلام على مرادهم هم لا مراد المتكلم لحاجة في أنفسهم وما أكثرهم – والله المستعان -، نفصل القول في العلم.
العلم إما ذاتي غير مكتسب بثه الله في عباده، وهو من كمال ربوبيته سبحانه ليصلح عباده في أمور دنياهم ودينهم، ففطر الولد على مص ثدي أمه طلبا للحليب حال خروجه من رحمها، ولولا ذلك لهلك، وفطر العباد على عبادته دون غيره ولولا ذلك لهلك أيضا، وفطر العقل على قبول البديهيات والتسليم لها وإلا لهلك، وهذا النوع من العلوم يسمى بالعلم الحضوري [28] كما هو عرف المناطقة، والعلم الذاتي كما هو عرف الفلاسفة، والعلم الفطري على عرف المتشرعة.
ومن العلم ما هو عرضي مكتسب، ويسمى أيضا بالعلم الحصولي ، والاكتساب إما أن يلزم العبد لزوما لا يستطيع أن يدفعه عن نفسه بشك أو شبهة وهو الضروري من العلوم ويدرك بالحواس الخمس، وقال بعضهم بدخول المسلمات العقلية فيه وأرى أن المسلمات من العلم الحضوري لا الضروري لأنها من الفطرة التي فطر الله الناس عليها [29] وهي بداهة لا تدرك بالحواس الخمس.
أما النوع الثاني من الاكتساب فيكون بالنظر وهو ما نستطيع أن نشكك ونشبه فيه وإن بنسب متفاوتة راجعة لخلل قد يكون في الناظر فتخونه دقته، أو لا يكون أهلا للنظر بالأساس، أو خلل يكون في الآلية التي ينظر بها، أو تكون المادة المنظورة مشكوكا في صحتها أو لا يستطيع حصرها، وهذا النوع من العلوم يدعى بالعلم النظري.



والعلم النظري وإن استطعنا أن نشكك ونشبه فيه إلا أننا قد نصل به إلى درجة اليقين واطمئنان النفس [30] فيكون بذلك قطعيا أو لا يصل إلى تلك الدرجة فيكون ظنيا.

والقطعية هنا ملزم بها صاحبها، ولا تلزم غيره إلا إذا حفها الإجماع أو ذهب إليها الجمهور أو وافقت اطرادا عقليا فتكون ملزمة لعموم الأمة [31]، فإن ظهر القطع لعالم ولم يحف بإجماع، أو لم يذهب إليه السواد الأعظم أو لم توافق اطرادا عقليا تكون الحجة ملزمة له دون ما سواه ، لأن حجة الله فيما يتعلق بأصول الدين وما لا يتم إسلام المريء إلا به لا تكون خفية فوجب الظهور بداهة، إذا لو خفيت لكان ذلك مخالفا لأصل الهداية [32] بله كمالها.
وبما أنّ رفع الحرج أحد أركان هذا الدين فقد جعل سبحانه وتعالى الشريعة مطاطة تتكيف بحسب المكلف تحقيقا لغاياتها ومقاصدها [33] ، وحكمته سبحانه في جعل عامة العلوم الشرعية واللسانية من العلوم النظرية إلا طائفة منها هي من العلم الحضوري كأصل التوحيد، وقد يكون منشأ بعضها [34] ضروريا كسماع النحاة والصرفيين واللغويين كلام العرب من مظانه، وكأحكام الفقه المستقاة من النبي صلى الله عليه وآله من فيه مباشرة، ثم جعله سبحانه عامة العلم النظري مفيدا لمسائل كلية تنبني عليها أحكام لا متناهية من الجزئيات إلا قليلا منه تحقيقا لتكييف الشريعة مع كل فرد عينا من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة رغم اختلاف الأعراق والأعراف والأجناس .
وذلك لأن الأصل في العقائد التنزيه والخوض فيها من البدع المحدثة، نلوكها ردا للشبهة وبيانا للحق وإلا فالإمساك فيها أولى، أما الأمر على ما هو عليه فيكفي أن نعتقد بوجود رب متصف بكمال مطلق لمطلق الكمال وإن بتصور المكلف حتى نعبده [35]، والأصل في الفقه إجابة الأمر والنهي، والسمع والطاعة [36]، فاختلف بحسب المكلف وما بلغه جهده في النصوص إن كان عالما، أو ما بلغه جهده في معرفة الرجال إن كان غير عالم ، لهذا أمرنا بطلب الحق لا إصابته ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : { إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد } .
ومنه كانت أسس الدين مبنية على ما يلزم العباد جميعا ، فوحدانيته بالفطرة كانت، ووجوب إظهار هذه الفطرة وتفعيلها كان بالإلزام العقلي القطعي، فالربوبية أس الأسس والألوهية لازمة لهذا الأس العظيم.
وهنا يظهر لنا أن الخلاف الذي يدور بين أهل السنة في وجوب الدعوة إلى الألوهية، أو الربوبية، أو إليهما معا، هو خلاف صوري يرفع بالتفصيل، فإن أراد القائل أن الأساس في العقيدة هو توحيد الألوهية ويريد أن الأنبياء عليهم السلام دعوا إليه فذلك صحيح، ولكن ذلك لا يكون إلا على اعتبار أساسي وهو استقرار الربوبية في النفوس بداهة، وقد ألزم الأنبياء أتباعهم بالربوبية على الألوهية [37].
وإن قال إن الربوبية هي الأساس على اعتبار أنها لو انعدمت لما كانت الألوهية بداهة لكان القول صحيحا لا يجادل في ذلك عاقل.
ومنشأ عموم الخلاف في المسائل العقدية عدم التفصيل الموجب للإيهام، فلو فرق الناظر بين الوجود الذهني والوجود الخارجي [38] لما خاض في البديهيات، وذلك لأن توحيد الربوبية التام المجرد عن العمل متصور في الذهن ولا حقيقة له في الخارج فوجوده وجود ذهني لا خارجيا، لأن العمل لازم للإيمان، فلا إخلاص مجرد عن المؤثرات إلا في الذهن، أما الواقع والوجود الخارجي فالإيمان فيه مشوب بعمل يزيد بزيادة الإيمان وينقص بنقصانه وينعدم بانعدامه، والقصد بالإيمان هنا استحضار كمال الرب عز وجل وعظمته بعد التصديق به بداهة.
وأصل التصديق بالربوبية مع الإتيان باللوازم وذلك بالاستسلام للأمر والنهي إسلامٌ، واستحضار كمالها والإتيان بلوازمها من زيادة التعبد إيمانٌ، والحياة بها ولها وفيها مع الإتيان بلوازمها وهي أن تعبد الله شاهدا إحسانٌ.

فمن رحمته سبحانه بنا أن كلفنا ما نستطيعه، وجعل تكليفه مساوقا ومناسبا لتركيبة الإنسان التي ركبه الله تعالى عليها.
فقد خلقه الله تعالى مركبا من ثلاثة أشياء، من بدن قد كلفه بالإسلام ليصلحه به، ومن عقل كلفه الله بالإيمان ليصلحه به، ومن روح كلفها الله بالإحسان ليصلحها به.

وهنا لطيفة تبين رحمة رب العالمين بتهيئة أسباب الهداية كلها، فهو سبحانه قد خلق المكلف على هيئة لا يصلحه غيرها، وقد ورد في الحديث القدسي: ( إن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أغنيته لأفسدت عليه دينه ).
ومن رحمته أن كلفنا يسيرا، وكان أمره تخييرا، ونهيه تحذيرا ، وقد نظمت هذا المعنى فقلت :
ولا تقولوا في القضاء والقدر * قد وكل ولا تقولوا قد جبر
قد أمر بأمـــــــــــره تخيير ا * وقد نهى بنهيه تحذيــــــرا
قد كلف بأمـــــــــــره يسيرا * فلم يكن تكليفه عسيــــــــرا
ومن رحمته أنه سن سنة على نفسه هي من كمال كماله أن جعل رحمته تسبق غضبه ففي الصحيحين: ( إن الله لما خلق الخلق كتب كتابا هو عنده فوق عرشه – إن رحمتي سبقت غضبي – ) فكان الخذلان بعد أن يستوفي ربنا التوفيق بشقيه ( إرادة الطاعة ابتداء ، وصرف المعصية ابتداء ) .
ومن رحمته أن بين الحجج فيما لا يتم الخضوع له إلا به بيانا ألزم فيه العقول إلزاما لا مجال لرده، فكان العلم الحضوري ( الفطرة والبديهيات ) والعلم الضروري مقدمتين لكل محاججة فيما لا يتم الإسلام إلا به، وكان من وضوح هذه المقدمات ما يلزم كل مكلف لهذا أطلق بعض أهل العلم ( ألآ تقليد في الأصول) وهو إطلاق حق إن قصد وضوح وظهور الحجج العقلية وضوحا وظهورا لا يخفى على أحد من المكلفين من الإنس والجن، أما تفاصيل العقائد فلا يجوز النظر فيها إلا لمن هو أهل لذلك، ويخاض فيها حسب الحاجة دفعا للشبهة إن ظهرت [39].
أما العلم النظري فكان له من يشتغل به في كل زمن بيانا للحجة في باب العمل، أو زيادة بيان في تصديق الخبر لهذا قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( العلماء في أمتي كالأنبياء في بني إسرائيل )، فالعلماء مبينون للإعجاز العلمي في القرآن والسنة فيزيد بذلك بيان الربوبية، ومخرجون وشارحون للمسائل العقدية دفعا للشبه إثباتا للحق وبيانا للباطل فيثبت اليقين بربوبيته، ومبينون ما يجب وما يستحب فعله أو تركه مما ندين الله به في التكليف البدني أو النفسي أو الروحي بالإسلاميات أو الإيمانيات أو الروحانيات، فهم نائبون عن الأنبياء عليهم السلام في الدعوة إلى الله عز وجل، وبه يكون الحديث من حيث الدراية موافقا للمعنى العام للشريعة التي ندين لله بها فلا يلتفت إلى من ضعفه رواية لأن التصحيح والتضعيف على الظاهر لا القطع على قول الجمهور [40].
وقد أمرنا ربنا بالنظر وأعجزنا في أنفسنا فقال : ( وفي أنفسكم أفلا تبصرون )، وأعجزنا في من حولنا فقال سبحانه: ( أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى السماء كيف رفعت، وإلى الجبال كيف نصبت، وإلى الأرض كيف سطحت ) لبيان إحكامه وإتقانه لأن بهما تستحضر عظمة الرب عز وجل ، فإن تكامل عظم الربوبية عند المكلف التكامل البشري الذي يستطيعه بحسب ما آتاه الله من قوة ذهنية تجعله ممن يحصيها ، وهو بذلك ممن استكمل الإيمان ، وسيكون إن شاء الله ممن يدخل الجنة، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ).
ولكون هذه المرتبة لا ينالها إلا خواص خواص الناس ممن تدرج من العالم المشهود إلى الإيمان بالغيب إلى الحياة في الله لله بالله وكان الله سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، قال علي رضي الله عنه: لو رفع الله الحجب ما ازددت علما.
ولكون عامة من اشتغل بالعقيدة قدّم علم الجدل على علم الخشية [41].
أردت أن أنبه عليها لعظمها في باب الاعتقاد وأثرها على باب العمل، أقول: الواجب على كل مسلم أن يمعن النظر في ملكوت الله تعالى تحقيقا لأمره سبحانه، وتعظيما لشأنه، فليس من خلق كمن لم يخلق، وليس من خلق وأبدع كمن لم يبدع، ومن له الكمال كله ليس كمن عالج النقص بأنواعه، فسبحانه لا نظير له ولا ند وسمي له لا إله إلا هو سبحانه.
…يتبع بإذن الله تعالى
[2] الواقع العملي يؤكد كلامي هذا رغم التوافق التنظيري العلمي عند الفرق كلها.
[3] فكل طائفة على كثرة تعداد الطوائف نجدها تدعي الدعوة لتوحيد الأمة بلسان قيلها ويخالفه لسان حالها بفعله.
[4] ولا أدل على صدق دعوتنا من حديث إنما الأعمال بالنيات، واعتباره أحد أربعة أحاديث تدور حولها الشريعة.
[5] وأخص بالذكر شيخي العلامة محمد سالم ولد محمد عالي ولد عبد الودود رحمه الله تعالى، وشيخي العلامة محمد الحسن الددو كان الله له، وشيخي العلامة عبد الله بن عبد القادر التليدي حفظه الله، وشيخي الدكتور محمد أحمد لوح حفظه الله تعالى، وشيخي العلامة أحمدو ولد مرابط كان الله له.
[6] وأخص بالذكر شيخي الدكتور العالم ناصر بن عبد الكريم العقل كان الله له، وشيخي الدكتور العالم يحيى إبراهيم اليحيى كان الله له.
[7] قد أفردت بحثا في وجوب موافقة المعقول الصحيح للمنقول الصحيح الصريح، وقد صدرته بقوله تعالى: قل كل من عند الله.
[8] وهذه نفيسة لهذا نحن نجزم أن الأمر الشرعي يساوق ويناسب الأمر الكوني فهو كائن ليصلح ما كان بالأمر الكوني فاختلف باختلاف الأمم عبر العصور، ولهذا نطلق أن الشريعة علم هي أسس وقواعد وغايات وليست إجابة الأمر والنهي فقط كما هو لسان حال بعضهم.
[9] ما يعرف بلغة العصر
[10] كتزهيد بعض من تشبه بالعلماء وليس منهم في تعلم اللسان العربي، والتزهيد في علم المنطق، وبعض ما تعلق بالعقائد من علم الكلام، وعلم الفلسفة. ملاحظة: نحن لا ندعو لكل معقول، بل قصرنا القول على صحيح المعقول، ولست أدري كيف يدرس التدمرية من لم يخبر علم المنطق والفلسفة في باب الملكة والعدم.
[11] لكل عصر أسلوب خطاب يتطور بتطور العلوم، فتجد المتأخر يتقن مسألة أصبحت عنده من البديهيات كانت عند المتقدمين من الملمات.
[12] حتى يكون بحثي هذا أداة ننظم به شتات ما نثرته التعصبات المتراكمة طيلة قرون متكاثرة، ونرفع به راية العلم ونخلص لها ونجعلها الفيصل في الحكم.
[13] قد بينت علة وجوب الرجوع إلى قول السلف في الإشارة إلى أن العقيدة قد بانت معالمها ومفاصلها في زمن النبوة، ولم يحدث بعدهم إلا زيادة تخريج أو توضيح أو تأصيل حال ظهور البدع والتباس الحق بالباطل.
[14] لا فرق بينهما تأصيلا وتفريعا خلافا لما ذهب إليه المتأخرون.
[15] أريد السنن الكونية التي سنها الله لإدارة مخلوقاته، وقد اتسمت بالإحكام والاطراد، ومن كمال عدله ورحمته ألا يعذب الله عبدا على شيء لم تثبت له حجيته، ولم تلزمه والأدلة على ذلك متكاثرة.
[16] أريد بالأصول ما لا يتم إسلام المريء إلا به في العقائد وهي ما ذكر في حديث جبريل في تعريف الإيمان، وأريدها على سبيل لإجمال لا التفصيل.
[17] وهذه لطيفة من اللطائف تتفرع عليها مسألة التكليف بما لم يبلغ أو بلغ ولم يلزم أو أو بلغ على غير وجهه الذي يريده الشارع.
[18] وبها تتضح علة العام والخاص، وللتنبيه نقول: إن الشارع في باب العمل لم يرد إلا الخاص أما العام فللتنظير وهو حكم أولي فإن أسند كان خاصا وهو الحكم الثانوي،
[19] قال الله تعالى: ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت، وعليها ما اكتسبت ).
[20] لا أقصد بقولي: ( لا حاجة فيها للنظر) نظر العلماء، ذلك لأن أصل النظر موجود في التدبر في عظم آيات الله الكونية ولكون هذا التدبر كان بالحواس الخمس كان من العلم الضروري بداهة، ولكن مسألة الإلزام بهذه الضرورة على التوحيد من العلم النظري، ولكون المقدمات صحيحة لأنها مستفادة بالضرورة، وقد وافقت الفطرة، كان الناتج صحيحا، وكانت ملزمة لكل من يستطيع هذا النظر ( المكلف)، ذلك لأن هذا النوع من النظر لا يتأتى لمجنون فقط.
[21] تتنصل طوائف كثيرة ( منها الظاهرية والشيعة ) من القياس تنظيرا وتلتزم به حال الفتوى عمليا ولا مفر لها منه لأن المسائل وأحوال المستفتي غير متناهية والنصوص متناهية فوجب القياس عقلا. ملاحظة: لسان حال من قال بلا قياس: إن الشريعة ليست علما مطردا بل هي أوامر ونواه الأصل فيها السمع والطاعة. ونحن نلزمهم بقاعدة ( المحل القابل للصفة إما أن يقبلها أو يقبل ما هو ضدها ) فالشريعة إما علم صفته الاطراد أو هي عبثية اعتباطية، ولهم أن يفندوا قولي وإلزامي.
[22] من عجائب هذا الزمن خوض بعض المشائخ في تفاصيل العقيدة بدلائل عقلية قد لا تستند لمنطوق الكتاب والسنة وهم يعيبون على غيرهم فعل ذلك في أبواب أخرى من هذا العلم، وقد برمون غيرهم برد الكتاب والسنة إن عالجوا مسألة منطقية أو فلسفية أو كلامية في الوقت الذي يمدحون فيه بعض أعلام السنة على ما عابوا به أولئك.
[23] كان مالك بن أنس رحمه الله تعالى يكره المسائل وكان يقول: سل تفقها ولا تسل، وقصته مع الإستواء لا تخفى.
[24] ابتداء.
[25] تفعيلا للإيمان واستحضارا لكمال الربوبية.
[26] ومن رحمته سبحانه أنه يحاسب العبد على ظنه بالنظري من العلوم كما سيأتي بيانه.
[27] وهنا سأكرر قد أمرنا الشارع بطلب الحق ولم يرتب الجزاء على إصابة عين الحق بل مجرد طلب الحق ملزم للأجر، مع العلم أن إصابة الحق يتضاعف معها الأجر لعوامل التوفيق التي سنذكرها مفردة في بابها.
[28] لنا أن نشبهه بالبرمجة الآلية التي تكون في الأجهزة الذكية حتى ينتفع بها.
[29] أقول إنها من الفطرة لتسليمنا بها ولها من غير نظر ولا اكتساب وهي مقدمات وأوليات صحيحة لكل نظر.
[30] القطع قد يوسم عند البعض بالجزم، وقد اشترط بعضهم اطمئنان القلب لذلك، والعامة لم تشترطه، وقد يتعلق الاطمئنان بالعلم لا نسبة الإدراك، ومنهم من اشترط الاطمئنان للإدراك لا العلم المنظور، وقد يتخلف القطع ويكون الاطمئنان مرجحا للإدراك عند بعضهم وهو مذهب بعض طوائف الصوفية.
[31] أعتقد صحة حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تجتمع أمتي على ضلال ) لدلالة المنقول والمعقول على ذلك وإن كان في سنده ما يوجب هوانه فإن دلالة المنقول والمعقول غليه تجبر كسره.
[32] وهذه أيضا نفيسة من استقرت عنده حاز الخير الكثير.
[33] أقول: قسّم أهل العلم النصوص الشرعية إلى تعبدية نعالجها كما هي فهمنا علتها أو لم نفهمها كالصلاة والصيام والزكاة والحج ووو، ونصوص تعللية ننظر في علتها وموقعها من مصالح المكلف، فإن وافقت مصلحة أخذنا بها وإلا لم نأخذ بها، وهذا وإن استهجنه بعض من اشتغل بالعلم إلا أن العمل به في الفتوى قولا واحدا، لأن الكل يعمل بقاعدة جلب خير المصلحتين، ودفع شر المفسدتين، ودفع مفسدة أحسن من جلب مصلحة، وطلب حفظ الدين والمال والنسل والعقل والبدن.
[34] أي العلوم النظرية، ذلك لأن جلها من العلوم الاستقرائية التي نقيس فيها ما لم يرد على ما ورد إن اتفقت العلة، وما ورد سماع يكون ضروريا حال السماع، ويحيل إلى علم نظري بدراسة سند اتصاله، وقد نقيس غيره عليه إن اتفقت العلة فيكون علما نظريا.
[35] هذا الذي نعتقده وندين الله به، فقد يظهر لبعض الناس كمال لا يعتبره البعض الآخر كمالا، كصفة العجب في قصة شريح وإبراهيم النخعي رحمهما الله.
[36] قد أرمى بالتناقض ممن لم يفهم كلامي فيقول: أنت تقول أن الفقه هو إجابة الأمر والنهي، ثم ما تفتأ أن تقول: هو علم. فأرد: إن الفقه أصله إجابة الأمر والنهي للمكلف، وهو في نفسه علم محكم مطرد لأنه من عند الله، فدور العامة إجابة الأمر والنهي تحقيقا للسمع والطاعة، ودور العلماء بيان حكمة وإحكام رب العزة لهذا الفقه لتحقيق غايات الشريعة.
[37] لا يصح الإلزام إن كان الملزم ( اسم مفعول ) لا يسلم بمقدمات هذا الإلزام.
[38] هذه مسألة فلسفية، والفلسفة هي البحث في الوجود بما هو موجود، وغايتها التفريق بين الوجود الذهني والوجود الخارجي. ملاحظة: الخوض في المسائل الفلسفية قدر الحاجة لبيان الحق وإبطال الباطل ليس بدعا فقد خاض شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الوجود الذهني والخارجي في شرح حديث النزول وفي الملكة والعدم في التدمرية.
[39] ويظهر بهذا التفصيل سفاهة من ألزم العامة بطلب علم العقائد تعليما وفهما لتحقيق أصل التوحيد.
[40] قال السيوطي في الألفية: والحكم بالصحة أو الضعف على * ظاهره لا القطع إلا ما حوى * كتاب مسلم أو الجعفي سوى * ما انتقدوا وابن الصلاح رجحا * ظنا به وكم إمام جنحا * والنووي رجح في التقريب * ظنا به والقطع ذو تصويب.
[41] ونريد بعلم الجدل معرفة تفاصيل العقيدة من بابها العلمي والإعراض عن العمل وهو الأصل إذ لم يطلب العلم إلا للعمل. أما علم الخشية فهو استحضار كمال الله تعالى الموجب للعمل، قال الله تعالى: { وإذا ذكر الله وجلت قلوبهم }.